الانتقال إلى المحتوى

حدث بارز: المهرجان الدولي للفيلم بمراكش

تاريخ السينما

سينما الريف: كيف أنقذت طنجة إحدى أحب قاعاتها

في السوق الكبير، صارت سينما تاريخية ملتقى لعشاق السينما والفنانين والمهتمين بأفلام خارج الدوائر التجارية الكبرى.

بقلم OFFSTAGE NEWS مدة القراءة: 3 د

سينما الريف ليلا في طنجة
الصورة: Anass Sedrati / Wikimedia Commons, CC BY-SA 4.0

في وسط طنجة، حيث تلتقي المدينة الحديثة بمدخل المدينة العتيقة، تحتل سينما الريف مكانة معمارية وثقافية في آن واحد. فقد عكست طوال عقود تحولات أذواق جمهور المدينة. وهي تمثل اليوم، بفضل عمل الخزانة السينمائية بطنجة، جهدا لإبقاء السينما تجربة عامة مشتركة.

سينما وُلدت في الثلاثينيات

يعود تاريخ سينما الريف عموما إلى سنة 1938، حين يُذكر أن المبنى افتتح باسم سينما ريكس قبل أن يُعرف باسم الريف. وقد منحها موقعها في السوق الكبير، المعروف أيضا بساحة 9 أبريل 1947، مكانة بارزة في الحياة اليومية لطنجة.

تنتمي هذه السينما إلى زمن كانت فيه القاعات وجهة رئيسية للترفيه. فقبل انتشار التلفزيون والمشاهدة الرقمية، أتاحت القاعات للجمهور أفلاما عالمية وموسيقى وقصصا وصورا من أنحاء أخرى من العالم. وكان يمكن للعرض أن يصبح مناسبة اجتماعية تجمع أناسا ربما لم يكن لهم سبب آخر للقاء.

كما عُرفت سينما الريف بالأفلام الهندية. وتصف ذكريات أيام مجدها في السبعينيات حشودا متحمسة في العروض الشعبية. وتندرج هذه الذكريات ضمن تاريخ أوسع لارتياد السينما في المغرب، تعلق فيه الجمهور بقاعات بعينها وبالنجوم الذين كان يشاهدهم على الشاشة.

من التراجع إلى النهضة الثقافية

في مطلع الألفية الثالثة، كانت سينما الريف تواجه صعوبات. فقد هددت مستقبلها تغيرات عادات المشاهدة والضغوط الاقتصادية وتدهور القاعات التقليدية.

وجاء الرد من مجموعة من الفنانين والمهنيين السينمائيين الذين أرادوا إنقاذ المبنى وإيجاد مقر دائم للثقافة السينمائية. وصارت الفنانة يطو برادة الشخصية الرائدة في هذه المبادرة. وقد افتُتحت الخزانة السينمائية بطنجة، التي أسستها سنة 2006، في المبنى المرمم في فبراير 2007.

ولم يقتصر المشروع على إعادة القاعة إلى دورها السابق بوصفها سينما تجارية، بل منحها مهمة ثقافية أوسع. فقد حافظ التحول على هوية السينما، مع إضافة قاعتي عرض تضمان 450 مقعدا، وفضاءات للأرشيف والعمل التربوي والأنشطة المهنية.

وتكمن أهمية ذلك في أن إنقاذ مبنى سينما لا ينقذ تلقائيا نموذجه الاقتصادي الأصلي. وفي طنجة، قامت الاستراتيجية على جعل الفضاء مفيدا لجمهور جديد مع الحفاظ على صلته بالماضي السينمائي للمدينة.

أكثر من مكان لمشاهدة الأفلام

تعرض الخزانة السينمائية بطنجة أفلاما مغربية وعالمية، منها أفلام قد لا تحظى بانتشار واسع عبر التوزيع التجاري. كما يربط عملها بين العروض والنقاش والتربية وحفظ الصور المتحركة.

ويمنح هذا السينما دورا يتجاوز الترفيه. فبإمكان الجمهور اكتشاف تقاليد سينمائية مختلفة، والنظر إلى السينما بوصفها فنا ووثيقة تاريخية وطريقة لفهم المجتمع.

ولموقعها أهميته أيضا. فهي تواجه مدخل المدينة العتيقة، وتظل جزءا من فضاء عام نشيط لا مجمعا ترفيهيا منعزلا. ويجعلها مقهاها وفضاءات اللقاء فيها مكانا يلتقي فيه الجمهور قبل العروض وبعدها.

كما يطرح المشروع سؤالا أوسع على السياسة الثقافية في المغرب: هل ينبغي الحفاظ على القاعات التاريخية بوصفها مباني فقط، أم دعمها بوصفها مؤسسات نشيطة؟ وتوحي تجربة سينما الريف بأن الترميم يكتسب كامل معناه حين يواصل الفضاء خدمة الجمهور.

تحدي إبقاء السينما حية

تتطلب إدامة مؤسسة ثقافية تاريخية أكثر من الحفاظ على واجهتها. فالبرمجة والمعدات والموظفون وصيانة المبنى والاستدامة المالية كلها عوامل تؤثر في عودة الجمهور.

ويختلف نموذج الخزانة السينمائية عن نموذج المجمعات التجارية متعددة الشاشات. فقيمتها تشمل الأفلام التي تتيحها والأرشيف الذي تسهم في حفظه والأنشطة الثقافية التي تدعمها. ويصعب قياس هذه الفوائد بمبيعات التذاكر وحدها.

وسيتوقف مستقبلها على مواصلة جذب الجمهور المحلي، مع الوصول إلى الطلبة والزوار والسينمائيين والمهتمين بتاريخ السينما.

جزء حي من هوية طنجة

تبين سينما الريف كيف يمكن تكييف مبنى تاريخي دون أن يفقد صلته بالماضي. فهي تعود إلى أواخر الثلاثينيات، وحولتها مبادرة ثقافية في الألفية الجديدة، وأعيد افتتاحها خزانة سينمائية بطنجة سنة 2007، وتمثل بذلك جهدا متواصلا لحماية الثقافة السينمائية.

وليست قصتها مجرد حنين إلى زمن مضى، بل هي تتعلق بقدرة مدينة على الحفاظ على الأماكن التي يلتقي فيها الناس لعيش الفن معا.