الانتقال إلى المحتوى

حدث بارز: المهرجان الدولي للفيلم بمراكش

تاريخ السينما

سينما النهضة: كيف منحت الرباط فضاء ثقافيا تاريخيا حياة ثانية

بفضل 382 مقعدا وبرمجة تتجاوز السينما، تبين النهضة كيف يمكن لقاعة تاريخية أن تتكيف مع الحاجات الثقافية للعاصمة.

بقلم OFFSTAGE NEWS مدة القراءة: 3 د

مبنى سينما النهضة في الرباط
الصورة: Reda Benkhadra / Wikimedia Commons, CC BY-SA 4.0

في وسط الرباط، تمثل سينما النهضة مقاربة مختلفة في الحفاظ على التراث السينمائي المغربي. فبدلا من الاعتماد على العروض السينمائية التجارية وحدها، يجمع هذا الفضاء بين السينما والحفلات الموسيقية والمسرح والمهرجانات وفعاليات ثقافية أخرى.

وتعكس قصتها تحديا أوسع تواجهه القاعات التقليدية: كيف يمكن للفضاءات التاريخية أن تظل نشيطة بعدما تعددت خيارات الترفيه أمام الجمهور وتغير اقتصاد العرض السينمائي؟

فضاء تعود جذوره إلى الثلاثينيات

بُنيت سينما النهضة في الثلاثينيات مسرحا. وفي سنة 1946، صارت فضاء متعدد الاستعمالات للعروض السينمائية والمسرحية.

ثم أصبحت لاحقا نقطة لقاء مهمة للنوادي السينمائية في الرباط. وقد أسهمت هذه النوادي في تنمية الذائقة السينمائية بجمع الجمهور لمشاهدة الأفلام ومناقشتها، بدلا من التعامل مع السينما بوصفها ترفيها تجاريا فقط.

ويضع هذا التاريخ النهضة ضمن تقليد ثقافي أوسع. فالسينما يمكن أن تكون فضاء يكتشف فيه الجمهور مخرجين جددا، ويناقش قضايا اجتماعية، وينمي اهتمامه بصناعة الأفلام. وتتجاوز أهميتها عدد التذاكر المبيعة.

غير أن الفضاءات التاريخية واجهت على مر السنين تغير عادات الجمهور وتكاليف الصيانة ومنافسة مرافق الترفيه الأحدث. واحتاجت النهضة في نهاية المطاف إلى مقاربة جديدة لمواصلة دورها الثقافي.

النهضة الجديدة بقيادة مؤسسة هبة

اشترت مؤسسة هبة المبنى سنة 2006، وأنجزت برنامجا للتجديد والتكييف شمل تحسين تجهيزاته التقنية. وأعيد افتتاح سينما النهضة في وجه الجمهور سنة 2013.

وشكلت إعادة الافتتاح فصلا جديدا. فبدلا من العمل سينما تقليدية فقط، صار الفضاء ثقافيا متعدد الاستعمالات، قادرا على احتضان العروض السينمائية والفنون الحية معا.

وتقر هذه المقاربة بأن أنشطة مختلفة يمكنها أن تدعم المؤسسة نفسها. فالعروض تجذب جمهور الأفلام، بينما تصل الحفلات الموسيقية والمسرحيات إلى أشخاص لهم اهتمامات أخرى.

وتكتسي هذه المرونة قيمة خاصة بالنسبة إلى فضاء تاريخي في مدينة مثل الرباط. فللمؤسسات الثقافية في العاصمة وطلبتها وهيئاتها العمومية وفنانيها المستقلين حاجات تتجاوز الأفلام التجارية الكبرى.

الأرقام وراء الفضاء

حسب مؤسسة هبة، تتسع القاعة الرئيسية لما يصل إلى 382 شخصا، موزعين على قسمين:

  • 349 مقعدا في الطابق الأرضي.
  • 33 مقعدا في الشرفة.

تعطي هذه الأرقام صورة واضحة عن حجم الفضاء. فهي قاعة كبيرة، لكنها تظل صغيرة بما يكفي لتوفير تجربة مشتركة أكثر مما يتيحه النموذج الموحد للمجمعات الكبرى متعددة الشاشات.

والفضاء مجهز بعرض رقمي بدقة 4K وصوت Dolby Stereo وDolby Digital 7.1. كما يتوفر على معدات للعروض الحية، منها تجهيزات موسيقية. وتوضح هذه الموارد نقطة مهمة في الحفاظ الثقافي: إبقاء مبنى قديم حيا يتطلب في الغالب تكنولوجيا حديثة.

وهذا العمل مستمر. ففي سنة 2026، منحت لجنة تابعة للمركز السينمائي المغربي سينما النهضة 650 ألف درهم من أجل الرقمنة.

من العروض السينمائية إلى برمجة ثقافية أوسع

يجمع نموذج سينما النهضة بين البرمجة السينمائية المنتظمة والحفلات الموسيقية والمسرح والمهرجانات.

ويكتسي هذا أهمية لأن القاعات التقليدية غالبا ما يُحكم عليها فقط بقدرتها على ملء المقاعد خلال عروض الأفلام. أما الفضاء متعدد الاستعمالات فلديه مجموعة أوسع من الأنشطة الممكنة، ما يساعد على إبقائه مفيدا طوال السنة.

وللجمهور أسباب مختلفة للعودة: فيلم هذا الأسبوع، وحفل موسيقي أو مسرحية في الأسبوع الموالي. ويحصل الفنانون والمنظمون الثقافيون على فضاء مجهز لتقديم أعمالهم للجمهور.

ولا يلغي كل هذا التحديات المالية لتسيير مبنى تاريخي. فالموظفون والمعدات والصيانة وإنتاج الفعاليات كلها تتطلب موارد. غير أن التنويع يمكن أن يساعد المؤسسة على تجنب الاعتماد على شكل واحد من البرمجة.

لماذا تهم النهضة الرباط

تسهم سينما النهضة في الحياة الثقافية للرباط بجمعها بين فضاء تاريخي وبرمجة معاصرة. وقد أعادت إعادة افتتاحها سنة 2013 للجمهور إمكانية ولوج مبنى كُيّف لغرض جديد.

كما تبين أن الحفاظ على التراث قد يتجاوز ترميم واجهة أو إبقاء اسم قديم. فعلى المبنى أن يواصل احتضان الفعاليات، والوصول إلى الجمهور، واستيفاء المعايير التقنية للعروض الحديثة.

ولهذا صلة خاصة بمستقبل الفضاءات الثقافية في المدن المغربية. فقد أُغلقت بعض القاعات التاريخية أو حُولت إلى استعمالات أخرى، بينما وجدت قاعات أخرى أدوارا جديدة بفضل الترميم والبرمجة الثقافية. وتنتمي النهضة إلى المجموعة الثانية.

مستقبل قائم على الاستعمال العمومي

سيتوقف مستقبل سينما النهضة على قدرتها على الحفاظ على برمجة متنوعة، وجذب الجمهور، وصيانة التجهيزات التي تجعل المبنى صالحا للاستعمال.

وتوفر قاعتها ذات 382 مقعدا وعرضها الرقمي وقدرتها على احتضان العروض الحية أساسا عمليا. أما المقياس الأعمق لنجاحها فهو استمرارها في خدمة سكان الرباط.

ومن بداياتها في الثلاثينيات إلى دورها بين النوادي السينمائية، ثم تجديدها وإعادة افتتاحها سنة 2013، يبين تاريخ هذا الفضاء كيف يمكن لمبنى ثقافي أن يمر بمراحل مختلفة دون أن يفقد أهميته.

وهكذا فإن سينما النهضة أكثر من قطعة من ماضي الرباط. إنها مثال على العمل المتواصل اللازم لإبقاء التراث الثقافي نشيطا في الحاضر.