سينما ريالتو: قصة المسرح الكبير بطراز آرت ديكو في الدار البيضاء
اكتمل بناء ريالتو سنة 1929، وهو يروي زمنا أسهمت فيه السينما والعمارة وفنون العرض في تشكيل الهوية الحديثة للدار البيضاء.
بقلم OFFSTAGE NEWS مدة القراءة: 3 د
في قلب الدار البيضاء، بزنقة محمد القري، تذكّرنا سينما ريالتو بزمن كان فيه الذهاب إلى السينما من أبرز تجارب الحياة في المدينة. ويربط تاريخها بين نمو الدار البيضاء وصعود القاعات السينمائية الكبرى وإقبال الجمهور على الترفيه العالمي والطموح المعماري لمباني المدينة في مطلع القرن العشرين.
وخلافا لقاعة صُممت حول شاشة وصفوف من المقاعد فقط، أُريد لريالتو أن يكون فضاء كبيرا للعروض الجماهيرية. وقد جعله تصميمه وقاعته الواسعة معلما بارزا في المشهد الثقافي للدار البيضاء.
معلم اكتمل بناؤه سنة 1929
اكتمل بناء سينما ريالتو سنة 1929. وصممها المهندس المعماري الفرنسي بيير جابان، ويُعترف بالمبنى نموذجا مهما لعمارة آرت ديكو في الدار البيضاء.
صُممت القاعة لتتسع لـ1350 متفرجا، منهم نحو 400 في الطابق المتوسط (الميزانين). وتوضح هذه الأرقام الطموح الذي كان وراء المبنى: خلق تجربة مشاهدة جماعية واسعة، مع تقديم بيان معماري في الوقت نفسه.
وقد وضعها موقعها المركزي في قلب مدينة نامية، كانت شوارعها ومبانيها التجارية وفضاءاتها العمومية تتشكل تحت تأثير تحول حضري سريع. وكانت السينما جزءا من هذا التحول، إذ قدمت القاعات الكبرى شكلا حديثا من الترفيه، ومنحت السكان مكانا يكتشفون فيه أفلاما من الخارج إلى جانب فعاليات ثقافية أخرى.
سينما وخشبة
لا يقتصر تاريخ ريالتو على عرض الأفلام. فقد احتضن أيضا حفلات موسيقية وعروضا مسرحية، فصار جزءا من ثقافة ترفيه أوسع.
وغنّت جوزفين بيكر على خشبته سنة 1943 أمام الجنود الأمريكيين المرابطين في المغرب خلال الحرب العالمية الثانية. وتُذكر إديث بياف وشارل أزنافور وديزي غيليسبي أيضا ضمن الفنانين المرتبطين بخشبته. وقد ربطت هذه البرمجة الدار البيضاء بدوائر ثقافية أوسع.
وكان للحجم أثره. فقاعة بهذه السعة تستطيع أن تحوّل العرض الأول لفيلم أو حفلا موسيقيا إلى حدث عام كبير. ولم تكن أهمية ريالتو فيما يظهر على الشاشة فقط، بل في الطريقة التي جمع بها المبنى الناس في فضاء عام واحد.
آرت ديكو والمدينة الحديثة
ينتمي ريالتو إلى تراث آرت ديكو الأوسع في الدار البيضاء. وقد صار هذا الطراز، المعروف بأشكاله الهندسية وتفاصيله الزخرفية، سمة مهمة من سمات النسيج العمراني للمدينة خلال القرن العشرين.
وتمنح الواجهة والميزانين السينما طابعا مميزا. كما يبين تصميمها كيف أمكن لمباني الترفيه أن تصبح معالم تساعد على تحديد هوية الشوارع المحيطة بها.
ويظل الحفاظ على مثل هذه المباني تحديا، لأن استعمالاتها ومتطلباتها التقنية تتغير مع الزمن. فالقاعات السينمائية تحتاج إلى معدات العرض وأنظمة الصوت والمقاعد المريحة والصيانة المستمرة. وليس التحدي في إبقاء المبنى قائما فحسب، بل في إبقائه مفيدا دون محو ما يمنحه قيمته التاريخية.
مستقبل غير واضح
تمثل سعة 1350 مقعدا رقما تاريخيا، ولا ينبغي فهمها على أنها العدد الحالي، إذ تذكر أوصاف أحدث نحو 1300 مقعد.
ويتوقف مستقبل القاعة أيضا على مسار قضائي طويل. فالشركة المالكة للمبنى في طور التصفية، وقد أُجلت بيوع أصولها بالمزاد العلني أو طُعن فيها منذ سنة 2022. وفي أكتوبر 2025، ألغت محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء البيوع وعزلت المصفي، وأعادت المسطرة إلى مصفٍّ جديد. ويبقى الوضع الحالي لنشاط السينما غير واضح.
وبعيدا عن المحاكم، تحتاج أي سينما تاريخية إلى جمهور وبرمجة مستدامة وموارد لصيانة مبناها ومعداتها. كما عليها أن تنافس القاعات متعددة الشاشات والترفيه المنزلي والمشاهدة عبر الإنترنت. وتجعل هذه الضغوط من ريالتو حالة مهمة لدراسة العلاقة بين التراث الثقافي واقتصاد الترفيه.
الحفاظ على ذاكرة جماعية
بالنسبة إلى الدار البيضاء، ريالتو أكثر من مبنى صامد منذ سنة 1929. فهو يمثل زمنا كانت فيه القاعات الكبرى في صميم الهوية الثقافية للمدينة، وكانت فيه العروض السينمائية والفنية تجمع جمهورها الحضري.
ويقدم تاريخه درسا أوسع للقاعات التاريخية في المغرب. فالحماية المعمارية مهمة، لكن القيمة البعيدة المدى لأي فضاء ثقافي ترتبط أيضا بقدرته على مواصلة استقبال الناس.
وهكذا فإن قصة ريالتو تاريخية ومعاصرة في آن واحد. فهي تعود إلى طموح الثقافة السينمائية المبكرة في الدار البيضاء، وتطرح سؤال الكيفية التي ستحمي بها المدينة هذا التراث وتستعمله في المستقبل.